تلخيص كتاب كيف تقدم الغرب ولماذا لم يسك المسلمون ذلك الدرب، دراسة تاريخية مقارنة من منظور اسلامي

معتصم العمور

مقالات

7/30/2026

يشرح الكتاب الطريق الذي سلكه الغرب نحو التقدم مع تركيز خاص على بريطانيا. ففيها وُلدت الدولة الحديثة التي لصاحب السيادة فيها سلطة مطلقة على التشريع والدين ومختلف مناحي الحياة من التعليم إلى الاقتصاد مستنداً إلى جهاز بيروقراطي صُمِّم لخدمة تلك السلطة وترسيخها. وفي بريطانيا تكرست العلمانية، ومنها خرجت القومية، وتبنّت الرأسمالية نظاماً اقتصادياً، وتشكلت الليبرالية، كما نشأ فيها نظام علمي هدفه إخضاع الطبيعة والسيطرة عليها فانبثقت منه الثورة العلمية، وفيها انفجرت الثورة الصناعية، ومنها أيضاً خرجت شركة استطاعت أن تهيمن على بلد يفوق بريطانيا مساحة وسكاناً بعشرات المرات. تسيّدت بريطانيا أوروبا في القرن الثامن عشر، ثم العالم في القرن التاسع عشر قبل أن تتسلم ابنتها الشرعية، الولايات المتحدة الأمريكية، الراية في القرن العشرين. يشرح الكتاب الأسباب التي جعلت بريطانيا مهد كل تلك التحولات، ويكشف خلال سرده حجم اللاأخلاقية التي رافقت ذلك التطور، مستنداً لأكثر من ٣٠٠ مصدر معظمها غير عربي.

رافق هذا التطور انقلاب فكري وأخلاقي عميق. فمنذ القرن الثامن عشر ظهرت في بريطانيا وهولندا أفكار لم تعرفها أوروبا من قبل تحوّل معها السيد المسيح في نظر بعض المفكرين، من إله في العقيدة المسيحية إلى مجرد رجل ذي ذوق رفيع يواقع الرجال (تنزهه الله عما يقولون). وتحولت العفّة من فضيلة إلى وسيلة ابتكرها الرجال لضمان انتساب الأبناء إليهم، وتبدل مفهوم الزواج من رابطة مقدسة إلى شر أو احتكار غير مرغوب فيه. وأصبح الجشع صفة نافعة، والتبذير أمراً محموداً، والاستهلاك لأجل الاستهلاك هدفاً بحد ذاته. وتوقفت الأخلاق من فضيلة وشجاعة لتكون معيار التفاضل بين الناس، وصار الثراء هو المعيار. يشرح الكتاب كيف وقع هذا التحول الفكري والأخلاقي.

ويعرض الكتاب جوانب تميز بها الغرب لا نجد نظيراً لها في أمة الإسلام، وعلى رأسها حجم العنف ونوعيته. ومن أمثلة ذلك أن عدد المعارك التي شهدتها أوروبا بين عامي ١٢٠٠ و١٧٠٠م يفوق نظيرتها في العالم الإسلامي بخمسة أضعاف على الأقل. ولأجل المقارنة، يستعرض الكتاب الفرق بين فتح عمرو بن العاص لمصر وغزو ويليام الغازي لإنكلترا سنة ١٠٦٦م؛ إذ عمد الأخير إلى استبدال الطبقة الدينية ووجهاء القوم بأشخاص من قومه، وارتكب ما يصنفه بعض خبراء الإبادة الجماعية تطهيراً عرقياً بحق السكان، قُتل فيه نحو مئة ألف شخص. أما السمة الثانية فهي التعصب الديني ومحاولة إخضاع الناس لعقيدة واحدة. فكما قُتل نحو مليون مسلم خلال الحملات الصليبية في بلاد الشام، أُبيد ما يقارب مليوناً من أتباع طائفة الكاثار المسيحية في حملة صليبية في فرنسا خلال القرن الثالث عشر. واستمر هذا العنف حتى انفجر في القرن السادس والسابع عشر في صورة حروب دينية مدمرة أودت بحياة أكثر من اثني عشر مليون إنسان (أربعة في فرنسا وثمانية في الإمبراطورية الرومانية المقدسة). العنف كان سمة ملازمة للتجربة الأوروبية، لذلك يميز الكتاب بين نوعين من الأوروبيين: «العنيفون التقليديون»، مثل البرتغاليين والإسبان، ويطلق عليهم «عنتق»، وهؤلاء أبادوا البشر؛ و«العنيفون المتنورون»، ويطلق عليهم «عنمت»، وهؤلاء أفنوا الأجساد وإن تركوها أبادوا الأرواح والأخلاق، وكان الهولنديون في طليعتهم ثم تبعهم الإنكليز.

رأى مارتن لوثر أن شؤون الدنيا، أو «مملكة الأرض»، تخضع للحاكم الدنيوي، وأن على المؤمنين طاعة الأمير مهما بلغ فساده. أمور السماء ليست من اختصاص الأمراء، وكذلك قلوب المؤمنين لا سلطان للحاكم عليها، فلا خشية على دين المؤمنين ان اطاعوا السلطان. كانت هذه الفتوى الدينية إحدى الحجج التي استند إليها ملك إنكلترا هنري الثامن في مصادرة الأديرة الكاثوليكية كلها، منهياً بذلك وجود الكاثوليكية الذي استمر لأكثر من ثمانية قرون في بلاده. ويُقدَّر ما صادره بنحو اثنين وعشرين طناً من الذهب. يرى المؤلف أن هذه كانت لحظة ولادة العلمانية البريطانية بإخضاع المقدس لسلطة صاحب السيادة. ويقارن ذلك بموقف صلاح الدين الأيوبي بعد استعادة القدس حين واجه حملة صليبية جديدة قادها ريتشارد قلب الأسد استطاعت السيطرة على أجزاء من سواحل الشام. لم يصادر صلاح الدين أملاك النصارى بحجة استخدامها في التحصينات، لأن الشريعة لم تكن تبيح له ذلك، ولأنه لم يكن صاحب سلطة مطلقة. ما كانت دعوة مارتن لوثر لتلقى ذلك الصدى لولا الاضطراب الذي أصاب المجتمع الأوروبي حيال مسألة الخطيئة والغفران والحدود التي ينبغي للإنسان أن يبلغها طلباً لرحمة الله. ومن هذا الباب دخلت الكنيسة الفاسدة عبر تجارة صكوك الغفران، فاشتدت النقمة عليها، وانفتح الطريق أمام ردة دينية وفكرية واسعة.

ويستعرض الكتاب نماذج أخرى من التطور الغربي الذي يرى أنه تأسس على ممارسات لا أخلاقية. منها نظام إنتاج السكر في مستعمرة باربادوس خلال عشرينيات القرن السابع عشر. حقق هذا النظام أرباحاً هائلة للنخبة الإنكليزية على حساب العبيد الذين تعرضوا لمعاملة قاسية، حتى إن معظمهم لم يعش أكثر من سبع سنوات، ومورس ضدهم عقوبات قاسية مثل التغوط في فم العبد ثم خياطة فمه لساعات. أصبح نموذج باربادوس معياراً للمستعمرات الإنكليزية في أمريكا الشمالية، وشكل إحدى البذور المبكرة للرأسمالية الحديثة. استفاد جون لوك، الذي يُعد أبو الليبرالية، كثيراً من هذا النموذج في بلورة أفكاره والتي استندت عليها الولايات المتحدة الأمريكية لاحقاً. ثم يقارن الكتاب ذلك بمعاملة المسلمين للعبيد مستشهداً بشهادات رحالة ومراقبين غربيين الذين وصفوا العبد في المجتمعات الإسلامية بأنه أقرب إلى أن يكون جزءاً من الأسرة. نموذج باربادوس كان يستحيل تطبيقه في البيئة الإسلامية لفداحة الجرائم الأخلاقية وتعارضها مع الشريعة.

يستعرض الكتاب الأسس التي قامت عليها الليبرالية والرأسمالية والقومية والشركات الاستعمارية والثورة الصناعية، موضحاً الثمن الأخلاقي الذي دفعه الأيرلنديون والعبيد والسكان الأصليون لأمريكا الشمالية، فضلاً عن شعوب البنغال والهند والصين وحتى فقراء إنكلترا. وبالمقارنة نجد النموذج الإسلامي في المال والحياة والتجارة، أكثر اتساقاً مع الفطرة الإنسانية وأكثر رحمة بالناس.

لا يقدم الكتاب صورة رومانسية عن الماضي الإسلامي، بل يعرض بوضوح فساد كثير من الولاة والأمراء والسلاطين، لكنه يرى فروق جوهرية بين التجربتين الإسلامية والأوروبية، منها أن الحاكم المسلم كان دائماً محدود السيادة مقيداً بالشريعة التي تمنعه من كثير من الأفعال التي مارسها الأمراء الأوروبيون. والأمر الآخر هو مركزية الأخلاق والعدل في التصور الإسلامي. وكمثال لذلك حاكم شركة الهند الهولندية في آسيا جان بيترسون كوين، الذي ارتكب في أوائل القرن السابع عشر عمليات تطهير عرقي ضد سكان جزر باندا في إندونيسيا بهدف احتكار تجارة جوزة الطيب، إضافة إلى جرائم أخرى بحق شعوب آسيوية متعددة. ومع ذلك ما أقيمت له التماثيل لأن نجاحه يُقاس بالمعيار المادي. أما الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي حقق نجاحات سياسية وإدارية وعسكرية تفوق ما حققه كوين بمراحل، لا نجد له تماثيل في مدن المسلمين، لأن الوعي الجمعي في أمة الإسلام يجعل المعيار الأخلاقي فوق أي معيار مادي عند تقييم الشخص مهما بلغت انتصاراته.

تتلخص رسالة الكتاب في أن الحضارة من المنظور الإسلامي، ليست مجرد تقدم مادي، بل هي ارتقاء بإنسانية الإنسان روحياً ومادياً، مع جعل العدل والأخلاق المتمثلة بالشريعة في مركز عملية التقدم. المسلمون لم يتخلفوا لأنهم لم يسلكوا الطريق الغربي، بل لأن حضارتهم قامت على أسس مختلفة، ويعدد الكتاب نحو أربعين فارقاً يفسر بها عدم سلوك المسلمين لهذا الدرب. فالتجربة الغربية قامت على تقدم مادي جعل الأخلاق عنصراً ثانوياً لا مركزياً. ولو سلك المسلمون الطريق نفسه، لخرجوا عن جوهر الإسلام. أما أسباب تخلف المسلمين تعود لتراكم الفساد السياسي، ومن ذلك إهمال الشورى، مع إحالة التفصيل في هذه القضية إلى كتاب آخر.

التقدم الغربي كتلة واحدة الرفاه المالي والعلمي والحقوقي يصاحبه ردة دينية وأخلاقية، وهذا ليس بخطأ مطبعي يمكن تقويمه. لا يمكن لبلد أياً كان تراثه أن يأخذ من الغرب الاقتصاد والعلم ويترك الأخلاق، لم ينجح هذا في الصين وكوريا الجنوبية والبرتغال ... وشواهده ظاهرة في الدول الاسلامية. النظام الاقتصادي الغربي قائم بنيوياً على ثقافة تعزيز الشهوات لزيادة الاستهلاك. وعندما يُفتح باب الشهوات فإنه لن يتوقف عند الأخلاق الجنسية، فالجنس وبتعبير معظم الفلاسفة المتنورين هو أكبر الشهوات والأسهل بتحصيلها. وعند انهيار الأخلاق الجنسية تنهار معها كل الأخلاق وتبدأ مرحلة العدمية الأخلاقية.

لا يدعو المؤلف بتاتاً لتجنب المنجزات الحضارية الغربية، ما يدعو له هو التوقف عن تقليد النموذج الغربي بكل صغيرة وكبيرة، وضرورة تقديم نموذج إسلامي متكامل في كل مناحي الحياة، قد يأخذ هنا وهناك وحسب الحاجة من منتجات الحضارات كما يناسبه. كذلك فعل الفاتحون، قدّموا نموذجاً اسلامياً مع الحافاظ على النظام الإداري الفارسي والروماني التمثل بالدواوين. يوضح هذا الكتاب المدى الذي ذهبت به الدول الإسلامية وحتى التي تدعي تطبيق الشريعة الإسلامية في تقليد النموذج الغربي "القُذَّةِ بالقُذَّةِ حتَّى لو دخلوا جحرَ ضبٍّ لدخلتُموه" كما في حديث رسول الله ﷺ