إعادة التفكير في السؤال المؤسّس للحداثة: كيف أصبح الغربُ غربا؟
تقدمة الأستاذ الدكتور ياسين أقطاي لكتاب كيف تقدم الغرب ولماذا لم يسك المسلمون ذلك الدرب
مقالات
7/30/20261 min read
لعلَ أحد أكثر الأسئلة تأثيرًا في تاريخ العلوم الاجتماعية الحديثة هو ذلك السؤال الشهير الذي طرحه ماكس فيبر: لماذا ظهرت الرأسمالية الحديثة في الغرب؟ ولماذا لم تظهر في الصين. أو الهند. أو العالم الإسلامي، بل في أوروبا الغربية تحديدًا؟ لقد أسّس فيبر، بإجابته عن هذا السؤال؛ ليس فقط أحد أهم النقاشات في علم الاجتماع، بل وضع أيضًا الأسس للطريقة التي فهم بها العالم الحديث ذاته. فمن خلال كتابه الشهير «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية». قدّم أطروحته القائلة إن الرأسمالية لم تكن ثمرة العوامل الاقتصادية وحدها، بل كانت نتاجًا لأخلاق العمل الجديدة التي أفرزتها البروتستانتية، ولتصورٍ دنيوي للنجاح: ولنمطٍ من الانضباط العقلي والحياتي القائم على العقلانية. ومن ثمَّ أصبحت الرأسمالية الحديثة والدولة الحديثة. والبيروقراطية» والقانون» والعلم: والعقلانية» تُقرأ بوصفها حلقاتٍ متكاملة في مسار تاربخيّ واحد
.
ولا شك أن عمل فيبر يُعدُ إنجارًا علميًًا استثنائيا، ولا تزال العلوم الاجتماعية؛ إلى يومنا هذاء تتحاور مع الأسئلة التي أثارها. غير أن ما يستحق التأمل ليس إجابته فحسب, بل طريقته في صياغة السؤال نفسه. فكثيرًا ما يكون السؤال أكثر تأثيرًا من الجواب، لأن السؤال يرسم حدود التفكير قبل أن تبدأ الإجابة. لقد انطوى سؤال فيبر على افتراض ضمني يعتبر الغرب المركز الطبيعي للتاريخ. وبهذا أصبحت التجربة التاريخية الغربية هي التاريخ «الطبيعي» للبشرية. وغدت مؤسسات الغرب المصير المحتوم للإنسانية. أما بقية الشعوب، فلم تُقدّم إلا باعتبارها مجتمعاتٍ تأخرت عن اللحاق بهذا المسار، أو بقيت ناقصةً في إنجازه» أو لم تستكمله بعد.
وهنا تكمن إحدى أخطر وظائف الاستشراق الحديث. فقد كانت المساهمة الكبرى لإدوارد سعيد أنه كشف أن الاستشراق ليس مجرد إنتاج لمعارف مغلوطة عن الشرق، وانما هو قبل ذلك نظام معرفي يجعل الغرب معيارًا كونيًا ثُقاس إليه بقية الحضارات. وضمن هذا النظام لا يُفهم الشرق إلا بوصفه نسخةً ناقصة من الغرب. ولذلك فإن الأسئلة نفسها تُصاغ انطلاقًا من التجربة الغربية. حتى يصبح السؤال: «لماذا لم تصبحوا مثل الغرب؟» سؤالًا يبدو بديهيّا، في حين أنه يحمل في داخله حكمًا مسبقًا بأن الغرب هو النموذج الصحيح الذي ينبغي أن يحتذى.
والحقيقة أن جانبًا كبيرًا من الإجابات التي قدَّمها الفكر الإسلامي خلال القرنين الماضيين ظل أسيرًا لبذا السؤال. فتارةً ألقي اللوم على الدين؛ وتارةً على التراث. وأخرى على التصوف. أو الفقه. أو السلطة السياسية. لكن السؤال نفسه لم يُوضِع موضع المساءلة. وهكذا وجد كثير من المثقفين المسلمين أنفسهم. من حيث لا يشعرون، منشغلين بالإجابة عن سؤال فيبر، دون أن يتوقفوا ليسألوا: لماذا صيغ السؤال بهذه الطريقة أصلًا؟ مع أن الاستقلال الإيستمولوجي لا يتحقق بمجرد تقديم إجابات مختلفة. بل يبدأ من القدرة على إعادة بناء السؤال نفسه.
ومن هنا تأتي أهمية النقاشات التي شهدتها السنوات الأخيرة حول إنهاء الاستعمار المعرني. فقد أسهمت هذه النقاشات في إحداث تحول عميق داخل العلوم الاجتماعية. فمن والتر منيولو. وإنريكي دوسيل، وديبيش تشاكرابارتي، إلى طلال أسد، ووائل حلاق، وسلمان سيد، سعى عدد من أبرز المفكرين إلى مساءلة الادعاء الكوني للعلوم الاجتماعية الحديثة؛ وإعادة النظر في السردية الكبرى التي بدأت مع فيبر واستمرت من بعده. فلم يعد السؤال اليوم مقتصرًا على تفسير صعود الغرب، بل أصبح من الضروري أيضًا تفسير الكيفية التي استطاع بها الغرب أن يقدم تاريخه الخاص بوصفه التاريخ الوحيد الممكن للإنسانية. فالاستعمار لم يحتل الأراضي فحسب، وإنما احتل كذلك الزمن، والتاريخ، والذاكرة، والمفاهيم. ولهذا غدت مفاهيم مثل «التقدم»، و»التنمية», و»الحداثة»، و»العقل»، و»الحرية»، و»الفرد»، و»الدولة»، و»القانون» تبدو وكأنها مفاهيم كونية, مع أنها في حقيقتها وليدة ظروف تاريخية مخصوصة، جرى تعميمها على العالم بأسره باعتبارها حقائق إنسانية عامة.
ولطالما حاولت، في كتاباتي حول العلمنة، والحداثة, والإسلامية والاستغراب، أن ألفت الانتباه إلى هذه الحقيقة تحديدًا. فالحداثة ليست النتيجة الحتمية للتجربة الغربية: وإنما هي حصيلة أزمات تاريخية محددة؛ وصراعات بعينها، وسلسلة من الخيارات التي انُخذت في سياق تاريخي مخصوص. وكذلك العلمنة ليست قدرًا محتومًا للبشرية. بل هي حل تاريخي خاص أفرزته التناقضات الداخلية للمسيحية الأوروبية. أما تحويل هذا الحل إلى نموذج كوني؛ فليس سوى وضع تاريخ أورويا في مقام تاريخ الإنسانية كلها.
ومن ثم فإن نقد الحداثة لا يعني أبدًا معاداة العلم أو التكنولوجيا، وإنما يعني إعادة الحداثة إلى سياقها التاريخي، والكشف عن خصوصيتها التي جرى إخفاؤها تحت دعوى الكونية. وهذا هو جوهر مشروع إنهاء الاستعمار المعرفي: تحرير التاريخ من أحاديته. وإفساح المجال أمام التجارب الحضارية المختلفة لكي تتحدث بلغتها ومفاهيمها الخاصة.
وفي هذا السياق تكتسب هذه الدراسة التي بين يدي القارئ أهميتها الخاصة. فالمؤلف معتصم العمور لا يواصل السير من حيث انتهى ماكس فيبر, بل يقلب السؤال الذي صاغه فيبر رأسًا على عقب. فالاستعارة التي يفتتح بها كتابه، والمتمثلة في «وهم جسد السباح». ليست مجرد مثال توضيحي، وإنما تمثل المفتاح الإبستمولوجي الذي يقوم عليه الكتاب كله. فهو يدعو إلى قراءة المؤسسات التي يمتلكها الغرب اليوم؛ لا باعتبارها الأسباب التي جعلت الغرب غرباً، بل باعتبارها نتائج لمسار تاريخي طويل مر به الغرب. وبهذا تتحول العلمانية، والليبرالية، والرأسمالية، والدولة القومية، والسيادة،: بل وحتى المنظومة الأخلاقية الحديثة، من مسلمات يُنطلق منها إلى ظواهر تاريخية تستوجب التفسير.
ومن هنا تبدأ المساهمة الحقيقية التي يقدمها معتصم العمور. فهو لا ينظر إلى مؤسسات الغرب بوصفها «وصفة جاهزة للتقدم». وإنما بوصفها نتاجًا لظروف تاريخية محددة. وبهذا المعنى يحاول الكتاب أن يعكس العلاقة التقليدية بين السبب والنتيجة, وهي العلاقة التي سيطرت طويلاً على التفكير الاجتماعي الحديث. فقد اعتدنا أن نفسر ثراء الغرب بالرأسمالية، وسيادة القانون بالعلمنة, والديمقراطية بالليبرالية، والتقدم العلمي بانسحاب الدين من المجال العام. أما المؤلف فلا يتعامل مع أي من هذه العناصر باعتبارها نقطة البداية، بل يسأل: كيف نشأت أصلًا؟ وما الأزمات والتحولات الفكرية التي أفضت إلى ظهورها؟ ولهذا جاءت استعارة «وهم جسد السباح» في مستهل الكتاب موفقة إلى حد بعيد؛ إذ إنها تكشف الوهم الذي وقع فيه جزء كبير من العالم الإسلامي خلال القرنين الماضيين. حين ظن أن المؤسسات الغربية هي التي صنعت قوة الغرب» فسعى إلى تقليدها أملًا في الوصول إلى النتيجة نفسها، مع أن الخلط بين النتائج والأسباب لا يؤدي إلا إلى تشخيص خاطئ. ومن ثم إلى وصفات علاج لا تزيد المرض إلا استفحالًا.
لقد وجدث في كثيرٍ من الدراسات التي أنجزتها على مدى سنوات حول تجربة التحديث في عالمنا أن الفرضية الأساسية التي تنطلق منها لا تختلف كثيرًا عمًّا يطرحه هذا الكتاب. فمنذ عصر التنظيمات (التنظيمات الخيرية). قامت تجربة التحديث التي عشناها إلى حدّ كبير على افتراضٍ مؤداه أننا إذا استوردنا مؤسسات الغرب، أمكننا في الوقت نفسه أن نستورد تاريخه أيضًا. ثم جاءت الحداثة الجمهورية في تركيا لتدفع بهذا الافتراض إلى مداه الأقصى؛ إذ اعتبرت العلمنة شرطًا مسبقًا للتقدم؛ ورأت في الدولة القومية المسار الحتمي للتاريخ، وفي القطيعة الثقافية الثمن الذي لا بد من دفعه في سبيل التنمية.
غير أننا حين ننظر اليوم إلى تلك التجربة من مسافة تاريخية. ندرك أن المسار الذي سلكه الغرب ليس هو المسار الذي سلكناه نحن، كما أن المؤسسات نفسها لا تنتج بالضرورة النتائج الاجتماعية نفسها. فالمؤسسات لا تعيش في الفراغ؛ إذ تقف وراءها خبرات تاريخية؛ ومنظومات أخلاقية. وتصورات دينية، وشبكات من العلاقات الاجتماعية هي التي منحتها معناها ووظيفتها. وعندما تقتلع هذه المؤسسات من بيئتها الأصلية, فإنها كثيرًا ما تعجز عن أداء الوظيفة التي أدتها في سياقها الأول: بل قد تتحول .وهو الأخطر . إلى مصدر لأزماتِ جديدة في المجتمعات التي تُنقل إليها.
وهنا تكمن أهمية كتاب «كيف تقدم الغرب؟ ولماذا لم يسلك المسلمون ذلك الدرب؟» للكاتب معتصم المعمور؛ فهو يحاول أن يعيد بناء هذه الأرضية التاريخية التي نشأت علها التجربة الغربية. وهو لا يفعل ذلك بلغة المؤرخ الأكاديمي الباردة» ولا يدّعي أصلا أنه يكتب عملا تاريخيًا تقليديّا، بل يصرّح منذ البداية بأنه يفضّل مخاطبة القارئ العام بعيدًا عن تعقيدات المصطلحات الأكاديمية. ولذلك نجده ينتقل أحيانًا إلى السجال؛ ويستعين أحيانًا أخرى بالسخرية، ويعمد في بعض المواضع إلى إضفاء طابع درامي على الأحداث التاريخية. ولا شك أن بعض أحكامه قد تبقى محل نقاش، وأن بعض تعميماته قد تستدعي مزيدًا من التحفظ. غير أن شيئًا من ذلك لا ينتقص من القيمة الحقيقية للكتاب؛ لأن أهميته لا تكمن في الأجوبة التي يقدمها بقدر ما تكمن في الأسئلة التي يجرؤ على طرحها.
لقد اعتدنا، منذ زمن بعيد، أن نكرر الأسئلة نفسها: لماذا ظهرت الرأسمالية في الغرب؟ ولماذا شهدت أوروبا الثورة العلمية؟ ولماذا انطلقت الثورة الصناعية من هناك؟ ولماذا ترسخت الديمقراطية أولّا في المجتمعات الغربية؟ لكننا أغفلنا سؤالًا أكثر جوهرية من كل ذلك: لماذا اتخذ الغرب هذا المسار التاريخي أصلًا؟ لماذا أفضى الصراع بين الكنيسة والدولة في أوروبا إلى نتائج لم تعرفها حضارة أخرى؟ وكيف تحولت الحروب الدينية في أوروبا المسيحية إلى الأرضية التي قامت علها السياسة العلمانية؟ ولماذا لم يكن الاستعمار مجرد توسع اقتصادي، بل كان أيضًا تحولًا أخلاقيًا وإيستمولوجيًا عميقًا؟ وهل كان الفرد الليبرالي تعبيرًا عن الطبيعة الإنسانية ذاتها، أم أنه نتاج تشكلات تاريخية محددة أفرزت نمطًا جديدًا من الإنسان؟
إن أعظم ما ينجزه هذا الكتاب هو أنه يضع القارئ في مواجهة مباشرة مع هذه الأسئلة.
ومن اللافت في هذا السياق أن المؤلف لا يتناول الحروب الدينية الأوروبية، وحركة الإصلاح الديني، وعصر التنوير، وصعود الدولة القومية: وتراكم رأس المال، وتاريخ الاستعمار بوصفها أحدانًا منفصلة؛ بل بوصفها حلقات متصلة في سلسلة تاريخية طويلة، يفسر بعضها بعضًا.، وبهذا المنظور تغدو العلمانية، والرأسمالية، والليبرالية، والدولة القومية, لا حقائق كونية ظهرت من تلقاء نفسها، وإنما إجابات تاريخية قدمتها أوروبا على أزماتها الخاصة. وهذه الرؤية في غاية الأهمية, لأن تحويل الإجابات التي أفرزتها التجربة الأوروبية إلى وصفاتٍ كونية صالحة لكل زمان ومكان: كان ولا يزال أحد أكبر الأوهام التي قامت علمها الحداثة الغربية.
ولعل من أهم ما علمتنا إياه نقاشات إنهاء الاستعمار المعرفي في السنوات الأخيرة أنه لا يحق لأي حضارة أن تقدم تاريخها الخاص باعتباره التاريخ الوحيد للإنسانية. لقد نجحت أوروبا، ردحا طويلًا من الزمن، في فرض هذه السردية. ولم يكن الاستعمار قائمًا على القوة العسكرية وحدها، بل كان قائمًا أيضًا على إنتاج المعرفة. فقد أسهمت كتب التاريخ: والنظريات السوسيولوجية, والفلسفة السياسية. بل وحتى الأدبيات الاقتصادية، في إنتاج خطابٍ يجعل من التاريخ الأوروبي تاريخًا عالميّا، ومن التجربة الأوروبية قدرًا محتومًا للبشرية. ومن ثم فإن الاعتراض على هذه السردية لا يعني إنكار إنجازات أوروبا أو التقليل من شأنها، وانما يعني ببساطة إعادتها إلى سياقها التاريخي الطبيعي.
ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية لكتاب معتصم العمور. فيو لا يقلل من شأن صعود الغرب، كما لا يسعى إلى الانتقاص من منجزاته؛ وإنما يرفض أن يُجِرَّد هذا الصعود من سياقه التاريخي. إنه يُسلّم بأن الغرب شهد بالفعل تحولًا حضاريًا عميقا، لكنه يرفض أن تُقرأ هذه التجربة بمعزل عن المسار الطويل من التحولات الأخلاقية والدينية والسياسية والاقتصادية التي صنعتها. ولعل اللغة التي تبدوء في بعض المواضع.: أقرب إلى الاستفزاز المتعمّد، ليست إلا وسيلة لإخراج القارئ من دائرة المسلمات التي ألفها، ودفعه إلى إعادة النظر فيها. فالقناعات الراسخة لا تهتز دائمًا بالمعلومات الجديدة. وإنما كثيرًا ما تزعزعها الأسئلة الجديدة.
وأحسب أن هذا الكتاب يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى القارئ المسلم، ولا سيما الأجيال الشابة. فواحد من أخطر أشكال الاستعمار الذهني الذي نعيشه اليوم هو أننا تبنينا أسئلة الغرب قبل أن نتبنى إجاباته. والحال أن كل حضارة تبدأ أولّا بصياغة أسئلتها الخاصة. أما المجتمعات التي تفقد قدرتها على إنتاج أسئلتها، فإن أقصى ما تستطيع فعله هو أن تحفظ أجوبة الآخرين، لكنها لا تستطيع أن تنتج فكرا أصيلا يعبر عنها.
ولهذا فإن أول ما يفعله هذا الكتاب. قبل أي شيء آخرء هو أنه يحاول أن يستعيد حقنا في طرح السؤال. وريما تكمن قيمته الكبرى في هذه المحاولة بالذات.
إن قصة التحديث في العالم الإسلامي خلال القرنين الأخيرين كانت، في جوهرها، محاولة لتقليد النتائج التي انتهى إليها الغرب. فقد غُيّرت النظم القانونية؛ وأعيد بناء المؤسسات التعليمية: واستُبدلت الحروف. وتبدلت أنماط اللباس؛ وأعيد تخطيط المدن. بل امتدت عمليات التغيير إلى أكثر تفاصيل الحياة اليومية خصوصية. وكان الافتراض الضمني الذي يحكم كل هذه التحولات هو أنه إذا استطعنا استنساخ البنية المؤسسية التي بلغها الغرب. فسوف نبلغ نحن أيضًا المستوى الحضاري الذي بلغه.
غير أن التجربة أثبتت أن التحديث ليس مجرد نقلٍ للمؤسسات. فإلى جانب المؤسسات نفسها هناك الذهنية التي أنشأتها، والخبرة التاريخية التي صاغتها، والأساس الأخلاقي الذي منحها معناها. والأهم من ذلك أن المؤسسة الواحدة لا تؤدي النتائج نفسها في كل مجتمع. فالمجتمعات ليست مختبرات, والتاريخ ليس تجربة يمكن تكرارها بالشروط نفسها. ولكل حضارة مسارها التاريخي الخاص الذي يتشكل وفق دينامياتها الداخلية. وإذا كان من المتعذر استيراد تاريخ حضارة أخرى، فإن استيراد أزماتها يبدو، للأسف, أكثر سهولة.
ولعل التجربة التي عشناها خلال القرنين الأخيرين خير شاهد على ذلك. ففي الوقت الذي سعينا فيه إلى تحديث دولنا، كنا .في الوقت نفسه . نفصل مجتمعاتنا عن ذاكرتها التاريخية. وظننا أن العلمنة هي الطريق إلى التقدم، بينما كان ما حدث في كثير من الأحيان ليس إقامة علاقة متوازنة بين الدين والدولة: بل تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع. واعتمدنا القومية بوصفها الشكل الوحيد المشروع للتنظيم السياسي، غير أننا دفعنا ثمن ذلك في صورة توترات إثنية. ونزاعات حدودية, وأزمات هوية لا تكاد تنتهي. وخلطنا بين التنمية والاستهلاك. وجعلنا الحرية مرادفةً للتحرر الفردي غير المحدود. وحاولنا استيراد العلم بوصفه حزمة أيديولوجية منفصلة عن رؤيتنا الحضارية. وكانت النتيجة أننا لم نصبح غربًا، وفي الوقت نفسه لم نستطع أن نبقى على حقيقتنا.
غير أن المطلوب هنا ليس إحياء حنينٍ رومانسي إلى الماضي، وهذا الكتاب لا يدعو إلى ذلك أيضًا. فواحدة من أهم مزايا عمل معتصم العمور أنه لا يسعى إلى تمجيد الماضي أو إضفاء صورة مثالية عليه بقدر ما يسعى إلى تأربخ التجربة الغربية، أي إلى إعادتها إلى سياقها التاريخي الخاص. وبين الأمرين فرقٌ جوهري. فتأريخ الغرب لا يعني التقليل من شأنه. وإنما يعني الاعتراف بأنه، شأنه شأن سائر الحضارات، نتاج ظروفٍ تاريخية محددة. وكذلك فإن الدفاع عن الحضارة الإسلامية لا يعني إخراجها من التاريخ: ولا تصويرها بوصفها عالمًا معصومًا من الخطأ والنقص، وإنما يعني السعي إلى فهم كلتا الحضارتين في سياقهما التاريخي الذي تشكلتا فيه.
ومن هنا ريما تكمن أهم مساهمة يقدمها هذا الكتاب؛ فهو يحوّل السؤال من: «لماذا لم نصبح مثل الغرب؟» إلى سؤال مختلف تمامًا: «كيف أصبح الغربُ غربًا؟» وقد يبدو هذا التحول للوهلة الأول مجرد تعديلٍ طفيف في صياغة السؤال، لكنه في الحقيقة ينقلنا إلى أرضية إبستمولوجية مغايرة تمامًا. فالسؤال الأول يتخذ الغرب معيارًا يُقاس عليه، أما السؤال الثاني فيجعل من الغرب نفسه ظاهرةً تاريخية تستحق الدراسة والتفسير. الأول هو سؤال الاستشراق، والثاني هو بداية مشروع الاستغراب.
وهذا بالضبط ما سعيت إلى التأكيد عليه في كتاباتي الممتدة منذ سنوات حول الاستغراب. فالاستغراب ليس أيديولوجيا مضادة للغرب، وليس دعوة إلى شيطنته أو نفي إنجازاته. وإنما هو منظور نقدي يسعى إلى بيان أن الغرب. شأنه شأن كل الحضارات الأخرى، قد تكوّن داخل شروط اجتماعية وتاريخية وثقافية مخصوصة. فإذا كان الاستشراق قد جرّد الشرق من تاريخه وحوّله إلى كيانٍ غرائبي جامد فإن العلوم الاجتماعية الغربية المتمركزة حول الذات الغربية قامت، بالمقابل، بتجريد الغرب من تاريخه؛ وقدّمته بوصفه الحقيقة الكونية المجردة. أما الاستغراب، فإنه يحاول أن يفكك هذا السحر وأن يعيد الغرب إلى تاريخه.
ولهذا بالذات يكتسب كتاب معتصم العمور أهميته. فهو، وهو يأخذ القارئ إلى أعماق التاريخ الأوروبي: لا يتركه أسيرًا لا لافتتانٍ بالغرب ولا لعداءٍ أعمى له، بل يختار الطريق الأصعب: أن يفهم الغرب من داخل منطقه التاريخي الخاص. فهو يتناول الإصلاح الديني: والحروب الدينية: والاستعمار، وتراكم رأس المال، وعصر التنوير، والدولة القومية، والرأسمالية، والليبرالية, لا باعتبارها محطات في قدر الإنسانية المحتوم، بل باعتبارها مراحل في قدر أوروبا التاريخي الخاص. وفي هذا تكمن الجرأة الفكرية الحقيقية التي يتميز بها هذا الكتاب.
ولا شك أن القارئ سيجد في هذا العمل أطروحاتٍ قابلة للنقاش؛ وريما يعترض على بعض قراءاته التاريخية، أو يرى أن بعض تعميماته تحتاج إلى مزيد من الاحتراز. غير أن قيمة الكتب الكبيرة لا نُقاس بمدى صحة جميع أجوبتها، وإنما بقدرتها على طرح الأسئلة التي توقظ الفكر وتحفزه على إعادة النظر في مسلّماته. ومن هذه الزاوية، فإن عمل معتصم العمور جدير بالقراءة؛ لأنه لا يقدّم للقارئ قناعات جاهزة بقدر ما يدعوه إلى مراجعة القناعات التي طالما اعتادها.
ولعل هذا هو أكثر ما نحتاج إليه اليوم. فالاستقلال الذهني أصعب من الاستقلال السياسي. فالأمم التي تفقد أرضها قد تستعيدها يومًا ما، أما الأمم التي تفقد مفاهيمها فإنها تبدأ، في الغالب، بقراءة تاريخها نفسه بلغة الآخرين ومن خلال مفاهيمهم. ولهذا فإن إنهاء الاستعمار هو، قبل كل شيء، معركة معرفية؛ إنه تحريرٌ للذاكرة، وإعادة قراءة للتاريخ، وإعادة بناءٍ للأسئلة التي ننطلق منها.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى هذا الكتاب بوصفه مساهمة متواضعة: لكنها صادقة؛ في هذا المشروع الفكري الكبير. فهو لا يغري قارئه بالأجوبة السهلة؛ وإنما يدعوه إلى مواجهة الأسئلة الصعبة. وريما لن توافق المؤلف على جميع أطروحاته بعد أن تطوي الصفحة الأخيرة، وريما ستجد نفسك مختلفًا معه في بعض استنتاجاته. لكنني على يقين من أنك لن تنظر بعد اليوم إلى تاريخ الغرب, ولا إلى الحداثة, ولا إلى الرأسمالية, ولا إلى العلمنة، ولا حتى إلى تاريخ حضارتنا، بالبساطة والسطحية اللتين اعتدناهما. وذلك هوء في تقديري, الإنجاز الحقيقي لأي كتاب جيد: ليس أن يضيف إلى معلوماتك شيئًا جديدًا فحسب. بل أن يجبرك على إعادة التفكير فيما كنت تظن أنك تعرفه.
وإني لأرجو أن يكون صدور كتاب معتصم العمور مناسبةً لمثل هذه المراجعة الفكرية العميقة. ولا سيما في مرحلة تشهد فها نقاشات إنهاء الاستعمار المعرفي، ونقد الحداثة. وقضايا الحضارة، حضورًا متجددًا في المجال الفكري. وأحسب أن هذا الكتاب لن يكون تكرارًا للمألوف. بل سيكون مساهمة في مساءلة المسلمات وإعادة النظر في البدهيات. فما نحتاج إليه اليوم ليس رفض الغرب، كما أنه ليس تقديسه؛ وإنما أن نفهمه فهمًا صحيحًا. فبقدر ما نفهم الغرب على حقيقته, نستطيع أن نفهم أنفسنا على حقيقتها أيضا.
وربما ندرك, عندئذ، أن الجواب الذي ظللنا نبحث عنه طوال قرنين لم يكن غائبًا بقدر ما كان السؤال نفسه في غير موضعه. وهذا الكتاب دعوةٌ صريحة إلى اكتشاف ذلك. وإلى البدء من حيث ينبغي أن يبدأ كل تفكيرٍ أصيل: من إعادة النظر في السؤال ذاته.




